عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
233
اللباب في علوم الكتاب
حيث قيل لهم : أنفقوا ولم ينفقوا فما الحكمة في حذف الجواب في قوله : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا » ؟ وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب ولو قال : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا قالوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ » لكان كافيا فما الفائدة في قوله تعالى : قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا ؟ فالجواب : أن الكفار كانوا يقولون بأنّ الإطعام من الصّفات الحميدة وكانوا يفتخرون بطعمة الأضياف فأوردوا في ذلك على المؤمنين معتقدين بأن أفعالنا منّا « 1 » ولولا إطعامنا منّا لما اندفعت « 2 » حاجة الضيف وأنتم تقولون : إنّ إلهكم يرزق من يشاء فلم تقولون « 3 » لنا : أنفقوا ؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين ، لا الامتناع من الإطعام قال تعالى عنهم : « قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا » إشارة إلى الرد . وأما قوله : اتّقوا ما بين أيديكم » فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا فأعرض ( اللّه ) « 4 » عن ذكر إعراضهم لحصول « 5 » العلم به . فصل [ في معنى قوله : « أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا . . . » ] قال المفسرون : إن المؤمنين قالوا لكفار مكة : أنفقوا على المساكين مما « 6 » زعمتم أنه للّه من أموالكم وهو ما جعلوا للّه من حروثهم « 7 » وأنعامهم « قالوا أنطعم » أنرزق « مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ » رزقه ثم لم يرزقه مع قدرته عليه فنحن نوافق مشيئة اللّه فلا نطعم من لم يطعمه اللّه . وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون : لا نعطي من حرمه اللّه . وهذا الذي يزعمون باطل ؛ لأن اللّه تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا ، وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغنيّ بالفقير فيما فرض له في مال الغني ولا اعتراض لأحد على مشيئة اللّه وحكمه في خلقه . فإن قيل : ما الفائدة من « 8 » تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا : أننفق من لو يشاء اللّه رزقه وذلك أنهم أمروا بالإنفاق في قوله : « وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا » فكان جوابهم أن يقولوا : أننفق ؛ فلم قالوا : أنطعم ؟ . فالجواب : أن في هذا بيان غاية مخالفتهم لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فلم يأتوا بالإنفاق ولا بأقلّ منه وهو الإطعام . وهذا كقول القائل لغيره : « أعط زيدا دينارا » فيقول : لا أعطيه درهما مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه دينارا
--> ( 1 ) في الرازي : « ثناء » لا منّا . ( 2 ) كذا في « ب » وفي الرازي اندفع . ( 3 ) كذا في « ب » والعرف النحوي وفي « أ » : فلم تقولوا بحذف النون لحن لغوي . ( 4 ) زيادة من الرازي . ( 5 ) انظر : الرازي 26 / 84 . ( 6 ) في « ب » فيما . ( 7 ) في « ب » حرثهم بالإفراد . وهذا القول ينسب إلى مقاتل . انظر : زاد المسير 7 / 24 والجامع للقرطبي 15 / 36 و 37 والبحر المحيط 7 / 340 . ( 8 ) في « ب » في . وهو الموافق للرازي 26 / 84 .